محمد الغزالي
33
خلق المسلم
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت * فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ويؤكد هذه الحقيقة حديث الرسول لقومه وعشيرته . فقد رشحتهم مكانتهم في جزيرة العرب لسيادتها ، وتولي مقاليد الحكم بها . ولكن النبي أفهمهم ألّا دوام لملكهم إلا بالخلق وحده . فعن أنس بن مالك قال : كنا في بيت فيه نفر من المهاجرين والأنصار ، فأقبل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجعل كل رجل يوسع رجاء أن يجلس إلى جنبه . . ثم قام إلى الباب فأخذ بعضادتيه « 1 » ، فقال : « الأئمة من قريش ولي عليكم حق عظيم ، ولهم ذلك ما فعلوا ثلاثا . إذا استرحموا رحموا ، وإذا حكموا عدلوا ، وإذا عاهدوا وفوا ، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين » « 2 » . هذا الحديث حاسم في أنه لا مكانة لأمة ولا لدولة ولا لأسرة إلا بمقدار ما تمثل في العالم من صفات عالية ، وما تحقق من أهداف كريمة . فلو أن حكما حمل طابع الإسلام والقرآن ، ثم نظر الناس إليه فوجدوه لا يعدل في قضية ، ولا يرحم في حاجة ، ولا يوفي في معاهدة ، فهو باسم الإسلام والقرآن قد انسلخ عن مقوماته الفاضلة ، وأصبح أهلا لأن يلعن في فجاج الأرض وآفاق السماء . وروى الحسن قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أراد اللّه بقوم خيرا ولّى أمرهم الحكماء ، وجعل المال عند السمحاء ، وإذا أراد اللّه بقوم شرا ولّى أمرهم السفهاء ، وجعل المال عند البخلاء » « 3 » . من أقوال الإمام ابن تيمية : ( إن اللّه يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة ) . * * * إن الخلق في منابع الإسلام الأولى - من كتاب وسنة - هو الدين كله ، وهو الدنيا كلها . فإن نقصت أمة حظا من رفعة في صلتها باللّه ، أو في مكانتها بين الناس فبقدر نقصان فضائلها وانهزام خلقها .
--> ( 1 ) عضادتيه : أي مصراعيه . ( 2 ) الطبراني . ( 3 ) أبو داود .